السيد كمال الحيدري

53

شرح كتاب المنطق

الشرح التجريبيات القسم الثالث من الأوّليات ، وهي تنقسم إلى قسمين . وتوضيحهما يتوقّف على استذكارنا للفرق بين العلم الحصولي والحضوري ؛ فإنّك إذا قلت : أنا خائف - مثلًا - وكنت لا تعرف حالة الخوف التي تؤدّي إلى الارتعاش ، فخوفك علم حصوليّ . وكذا لو ذهبت إلى الطبيب وقلت له : رأسي يؤلمني ، فيحصل له علم بألمك ، وعلمه به حصولي ولكنّه لا يتألّم . أمّا علمك بألمك فعلم حضوريّ بالنسبة إليك . فلو زال ألمك وعبّرت عنه بأن قلت : كنت مريضاً ، فتتصوّره . وهذا نسمّيه علماً حصولياً ، لأنّ صورة الألم موجودة لديك . أمّا إذا كان نفس الألم موجوداً فنسمّيه علماً حضورياً . والعلم الحضوري هو حضور نفس الشيء . وهو قد يُلتفت إليه وقد لا يُلتفت . وذلك كما لو كنت في تظاهرة - مثلًا - وسُحقت قدماك من قبل المتظاهرين وخرج منهما الدم ، فإنّك لا تشعر بالألم من فورك ، ولكنّك تشعر به عند عودتك إلى البيت . فالألم كان موجوداً ولكنّك كنت غافلًا ومنشغلًا بغيره ، وهذا الانشغال يؤدّي إلى عدم التفاتك إلى علمك الحضوري . وهذا كشأن أكثر المرضى حيث يتألّمون كثيراً في الليل ، مع أنّ علم الطبّ يرى الألم واحداً في النهار والليل . إلّا أنّه - بحسب علم الفلسفة - المريض في النهار يكون فكره منشغلًا فلا يحسّ بالألم إلّا بنسبة قليلة . أمّا في الليل عندما يخلو إلى نفسه وتنقطع شواغله ، فيلتفت إليه التفاتاً كاملًا . ونفس هذه الحالة تَصوّرها في الموت والحياة . فإنّ الإنسان العاصي في حياته ، يتصوّر العذاب الذي يلاقيه أهل النار ، ولكنّه في يوم القيامة تنقطع عنه الشواغل التي كانت تشغل باله وتفكيره في الحياة الدنيا فيشعر بألم العذاب ، كما يومي إليه قوله تعالى : إذْ تَبَرَّأ الَّذينَ اتُّبعُوا منَ الَّذينَ اتَّبَعُوا وَرَأوُا الْعَذَابَ